يؤكد مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية “شمس” أن الثالث من أيار، اليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يقف عند حدود التذكير بقيمة هذه الحرية، بل يضعها في قلب معركة مفتوحة على الحقيقة ذاتها، معركة تستهدف فيها الكلمة قبل صاحبها، والصورة قبل عدستها، والرواية قبل أن تصل إلى العالم. وأكد المركز أن هذا اليوم لا يقرأ في السياق الفلسطيني كرمزية احتفالية، بل كاختبار يومي لمدى قدرة الحقيقة على البقاء في وجه محاولات القمع والإخفاء، حيث يدفع ثمن نقلها دماً وحرية وكرامة. وفي هذا الواقع، لا تكون حرية الصحافة مجرد حق مهني أو مطلب نقابي، بل تتحول إلى خط الدفاع الأول عن الوعي الجمعي، وإلى أداة أساسية في حماية الذاكرة من التشويه، وفي تمكين المجتمع من أن يرى نفسه بوضوح، وأن يفرض روايته على العالم رغم كل محاولات الطمس والتضليل.
يشير مركز “شمس” أن الصحفي والصحفية الفلسطيني لا يعملان في بيئة طبيعية أو آمنة، بل في مساحة مليئة بالمخاطر والتحديات، حيث يتحول حمل الكاميرا أو الميكروفون إلى فعل مواجهة يومي مع الخطر. فالملاحقة لا تتوقف عند التضييق أو المنع، بل تتصاعد لتأخذ أشكالاً أكثر عنفاً، من القتل المباشر والاستهداف أثناء التغطية، إلى الاعتقال التعسفي، إلى الإصابات المتكررة التي يتعرض لها الصحفيون في الميدان، وصولاً إلى تدمير المعدات الإعلامية وقصف المكاتب الصحفية، في محاولة واضحة لإسكات الصوت الذي يوثق الانتهاك ويكشفه. هذا الواقع يجعل من العمل الصحفي في فلسطين عملاً محفوفاً بالمخاطر، لا تحكمه أي ضمانات حقيقية للحماية.
يدين مركز “شمس” استهداف جيش الاحتلال للصحفيين والصحفيات الفلسطينيين، سواء عبر القتل أو الاعتقال أو الجرح أو مصادرة المعدات الصحفية أو قصف المؤسسات الإعلامية، مؤكداً أن هذه الممارسات لا يمكن التعامل معها كحوادث منفصلة أو عرضية، بل هي جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تقييد حرية الصحافة ومنع نقل الحقيقة. وشدد مركز “شمس” على أن استهداف الصحفي لا يعني فقط إسكات فرد، بل هو محاولة لقطع الطريق أمام توثيق الانتهاكات، وتغييب الصورة الحقيقية لما يجري على الأرض، لمنع العالم من الاطلاع على الوقائع كما هي.
وفي سياق متصل، تكشف الأرقام حجم الكارثة التي طالت الصحفيين والصحفيات الفلسطينيين بشكل غير مسبوق ، فقد وثّقت المؤسسات منذ أكتوبر 2023 حالات اعتقال واسعة في الضفة الغربية، طالت ما يزيد على (240) صحفياً، لا يزال (43) منهم رهن الاعتقال حتى الآن، في مؤشر واضح على استهداف ممنهج للعمل الصحفي. وفي قطاع غزة، لا يزال صحفيان رهن الإخفاء القسري، وهما نضال الوحيدي وهيثم عبد الواحد، وذلك وفقاً لأحدث التقارير حتى نيسان 2026. وعلى صعيد الخسائر البشرية، ارتفع عدد الشهداء من الصحفيين والصحفيات إلى (262) منذ 7 أكتوبر 2023، من بينهم (38) صحفية، وكان آخرهم اغتيال الصحفي محمد سمير وشاح، مراسل قناة الجزيرة مباشر، الذي استشهد إثر استهداف مركبة مدنية في مدينة غزة بتاريخ 8/4/2026. كما تجاوز عدد الصحفيين الجرحى (550) صحفياً، إلى جانب تدمير أكثر من (150) مكتباً ومؤسسة إعلامية، في استهداف لا يطال الأفراد فقط، بل يضرب البنية الإعلامية بكاملها، في محاولة واضحة لإسكات الحقيقة ومنع توثيق الجرائم.
يؤكد مركز “شمس” أن هذه الانتهاكات تشكل خرقاً جسيماً للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، حيث يتمتع الصحفيون بالحماية بصفتهم مدنيين وفقاً لاتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، الذي نص صراحة في المادة (79) على وجوب حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة. كما أن استهدافهم يتعارض مع المادة (19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تكفل حرية الرأي والتعبير وحرية نقل وتلقي المعلومات دون قيود. هذه النصوص لا تترك مجالاً للشك في أن ما يتعرض له الصحفيون الفلسطينيون هو انتهاك واضح ومباشر لقواعد دولية ملزمة. كما أن هذه الانتهاكات هي خرق أيضاً لقرارات مجلس الأمن الدولي، ولا سيما القرار (2222) لعام 2015 الذي اعتبر المعدات والمقار الإعلامية أعياناً مدنية يجب حمايتها، وكذلك القرار (1738) لعام 2006 الذي شدد على ضرورة حماية الصحفيين أثناء النزاعات المسلحة. ورغم وضوح هذه الالتزامات، فإن الانتهاكات مستمرة دون رادع حقيقي.
يشير مركز “شمس” أن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة حقيقية يفتح الباب أمام مزيد من الجرائم، ويعزز ثقافة الإفلات من العقاب، ويرسل رسالة خطيرة مفادها أن استهداف الصحفيين والصحفيات يمكن أن يمر دون تبعات. وهذا لا يشكل تهديداً للصحفيين الفلسطينيين فقط، بل يهدد منظومة حرية الصحافة عالمياً، لأن غياب المحاسبة في حالة واحدة يقوض الثقة في النظام الدولي ككل، ويضعف قدرته على حماية الحقوق الأساسية.
يحيّي مركز “شمس” الصحفيين والصحفيات الفلسطينيين الذين يواصلون أداء رسالتهم رغم كل هذه المخاطر، وعلى دورهم المهني والإنساني في نقل الحقيقة، وفي توثيق الانتهاكات، وفي فضح الجرائم، وفي الحفاظ على حضور الرواية الفلسطينية في الفضاء العام. والذين لا يقومون بعملهم فقط، بل يتحملون مسؤولية أخلاقية ووطنية كبيرة، ويواصلون عملهم في ظروف استثنائية، على حساب أمنهم الشخصي وسلامتهم.
يؤكد مركز “شمس” أن الصحفي والصحفية الفلسطيني لم يعد فقط ناقلاً للخبر، بل أصبح شاهداً على الحدث وضحية له في الوقت ذاته، وهو ما يضاعف من خطورة الواقع الذي يعيشه، ويستدعي تحركاً جدياً لضمان حمايته. كما شدد على أن استمرار استهداف الصحفيين يهدف في جوهره إلى خلق فراغ إعلامي، يسمح بتمرير الانتهاكات دون رقابة أو توثيق، وهو ما يجب التصدي له بشكل حازم.
يدعو مركز “شمس” المجتمع الدولي إلى الانتقال من مرحلة البيانات إلى مرحلة الفعل، من خلال اتخاذ خطوات عملية تضمن حماية الصحفيين، وتفعيل آليات المساءلة الدولية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب. كما طالب بتوفير حماية فعلية للصحفيين والصحفيات الفلسطينيين، وضمان احترام القواعد الدولية التي تكفل حرية العمل الصحفي.
يطالب مركز “شمس” المؤسسات الإعلامية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان بتكثيف جهودها بشكل جاد ومنهجي في رصد الانتهاكات الواقعة بحق الصحفيين الفلسطينيين، وتوثيقها وفق معايير مهنية دقيقة تضمن إمكانية استخدامها في مسارات المساءلة الدولية، وعدم الاكتفاء بالتغطية الموسمية. كما دعا إلى تطوير آليات ضغط فعالة تتجاوز بيانات الإدانة التقليدية، وصولاً إلى تحريك أدوات التأثير السياسي والقانوني لوقف هذه الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، والعمل على إبقاء قضية استهداف الصحفيين ضمن أولويات الأجندة الدولية. وإلى ضرورة تقديم دعم متكامل للصحفيين، لا يقتصر على الحماية الميدانية، بل يشمل التدريب على السلامة المهنية ، وتوفير أدوات الحماية الشخصية، إضافة إلى الدعم النفسي والاجتماعي لمواجهة آثار العمل تحت الضغط والخطر المستمر. وإلى تمكين الصحفيين من الوصول إلى المعلومات دون قيود أو عوائق، ورفض أي إجراءات تعيق عملهم أو تحد من قدرتهم على نقل الحقيقة، باعتبار ذلك جزءاً أصيلاً من حرية الصحافة. وإلى تعزيز التضامن الدولي مع الصحفيين الفلسطينيين.