مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية شمس

Human Rights and Democracy Media Center SHAMS

د. عمر رحال

تعتبر حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير أحد أهم ركائز الحقوق والحريات الأساسية، بل أن هناك عدد من الحقوق الأخرى التي ترتبط بها ارتباطاً وثيقاً باعتبار حرية الصحافة مقدمة لضمان ممارسة المزيد من الحقوق الأخرى، فهي مرآة الحقوق والحريات العامة، وأوكسجين الديمقراطية[1]. بعبارة أخرى هي أحد أهم الأدوات التي من خلال يستطيع المواطن أن يعبر أن رأيه وأن يشارك في عملية صنع القرار، كما أنها تعبير عن المواطنة الديمقراطية. كما أن حرية الصحافة هي معيار لمدى ديمقراطية النظام السياسي. كما أنها رافعة أساسية لإرساء وتأسيس دولة القانون، وهي مؤشر حقيقي يعكس مدى وجود إرادة سياسية لضمان الحريات العامة بشكل يتلاءم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان. فحرية الرأي والتعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، والصحافة يمثلان عنصرين ضروريين للوصول إلى المجتمع الحداثي.وهي حق إنساني أساسي ومركب حيوي في النظام الديمقراطي. إذ تمكن المواطنين من تبادل المعلومات والأفكار، وتمكنهم من الاحتجاج ضد المظالم، والتأثير على الخطاب العام وانتقاد الحكومة على أفعالها.

وبهذا تشكل حرية التعبير والصحافة شرطاً ضرورياً للمشاركة السياسية المدنية. فحرية الرأي والتعبير والصحافة هي من أهم أنواع الحريات وهي الأساس لكل الحريات إذ بدونها لا يمكن للإنسان أن يمارس الحرية وهي قائمة على تحقيق ذاتية الإنسان من خلال التعبير والرأي القائم على التفكير وعلى التخيل والإبداع والضمير الواعي، كما وتساهم حرية الصحافة في تحقيق الحكم الصالح وتدعيم أسسه وفي مقدمتها الشفافية والمحاسبة والمساءلة والرقابة. كما أنها تساهم بشكل فعال في تعزيز قيم التسامح والمساواة والحوار في المجتمع، والتي لا يمكن توفرها إلا في نطاق إطار حرية الرأي والتعبير والصحافة.

على المستوى الدولي كثيرة هي المواثيق والاتفاقيات الدولية التي حمت الحق في حرية التعبير عن الرأي وحرية العمل الصحفي ووضعت دعائمه، فقد كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أول وثيقة دولية تناولت هذا الحق عبر المادة (19)، والتي نصت على أن ” لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.

 ثم جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام1966، وفي نص المادة (19) الفقرة الثانية منه، والتي أكدت على ” لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”.

وجاء إعلان اليونسكو حول إسهام وسائل الإعلام في دعم السلام العالمي والتفاهم الدولي وتعزيز حقوق الإنسان ومكافحة العنصرية والتحريض على الحرب للعام 1978: حيث نصت المادة الثانية على ” أن ممارسة حرية الرأي والتعبير وحرية الإعلام المتعارف عليها كجزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان وحرياته الأساسية هي عامل جوهري في دعم السلام والتفاهم الدوليين”.

فيما نص الميثاق العربي لحقوق الإنسان2004، المادة (32) الفقرة (1) ” يضمن الميثاق الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير، وكذلك الحق في استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة، ودونما اعتبارا للحدود الجغرافية”.

أما على المستوى الوطني فقد تناولت التشريعات الفلسطينية حرية الصحافة حيث تناول القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لعام 2003 حرية الرأي والتعبير والصحافة في الباب الثاني باب الحقوق والحريات من خلال المادة (19) أنه ” لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون”.

كما تناولت المادة (27) من القانون نفسه الحق في حرية الرأي والتعبير من حيث تأسيس الصحف وسائر وسائل الإعلام وحرية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، وحرية الطباعة والنشر والتوزيع والبث، وحظر الرقابة على وسائل الإعلام، بحيث ” لا يجوز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغاؤها أو فرض قيود عليها إلا وفقاً للقانون وبموجب حكم قضائي”. وعاقب المشرّع الفلسطيني كل من يعتدي على أي من الحريات العامة للمواطن استناداً للمادة (32) ” من القانون نفسه، حيث اعتبرها ” جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتضمن السلطة تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الضرر”.

أما قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني لسنة 1995، في الفقرة (جـ) من المادة (4)، فقد نص على حق الصحفيين في ” البحث عن المعلومات والأخبار والإحصائيات التي تهم المواطنين من مصادرها المختلفة، وتحليلها وتداولها ونشرها والتعليق عليها في حدود القانون”.

في اليوم العالمي لحرية الصحافة ما زال مأزق التشريعات الصحفية في فلسطين ماثلاً فبينما يحتفل العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة في الثالث من أيار من كل عام ، ما يزال المشهد الصحفي الفلسطيني على حاله فطبقاً لتقارير نقابة الصحفيين الفلسطينيين والمؤسسات الحقوقية فإن الاعتداءات على الصحفيين الفلسطينيين لم تتوقف فقد كان أبرزها الاعتداء على الصحفيين من خلال الاعتقالات والتوقيف، والتهديد والتخويف ومصادرة الأجهزة والضرب والتعنيف والإساءة وتكسير المعدات والكاميرات، مع تعسف واضح ضد كل محاولة لرصد الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون لا سيما أثناء المسيرات والتجمع السلمي .

يأتي كل ذلك في سياق الهجوم الذي يتعرض له الصحفيين في ظل غياب تشريعات لتنظيم العمل الصحفي وحماية الصحفيين، خصوصاً مع التغيرات الكبيرة التي تراكمت عبر السنوات اﻷخيرة، بسبب اتساع فضاء اﻹنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، والزيادة الكبيرة في عدد المواقع الصحفية الالكترونية.

في أكثر مناسبة قال الرئيس محمود عباس ” أبو مازن” أن حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير في فلسطين حدودها عنان السماء، ولكن الواقع يشير إلى أن حرية الصحافة وحرية الرأي والتعبير في فلسطين قد ترتفع فوق الرأس لمسافة تصل بين 10سم و15 سم على أبعد تقدير . ليس هذا استهزاءاً أو تقليلاً من شأن أحد ، بل أنه الواقع المتردي الذي يعيشه الصحفيون الفلسطينيون، ففي 17/4/2018 تناول نشطاء الإعلام الاجتماعي خبر اعتقال الصحفي حازم ناصر الذي يعمل مونتير في فضائية النجاح من قبل جهاز الأمن الوقائي في طولكرم دون معرفة الأسباب. كما أعتقل الصحفي رامي سمارة الموظف في وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” والمذيع في راديو أجيال المحلي لمدة 24 ساعة بتاريخ 3/4/2018، بعد مثوله أمام مكتب النائب العام ، وذلك بعد أن قام مدير مركز الإعلام في جامعة النجاح الوطنية الصحفي غازي مرتجى بتقديم بلاغ للنائب العام اتهم به الصحفي سماره بشتمه على خلفية قيام مركز الإعلام بفصل ستة من الصحفيين والصحفيات من مركز الإعلام على خلفية عدم نشرهم (هاشتاغات) على صفحاتهم الشخصية على الفيس بوك حول عملية التفجير التي كان تعرض لها موكب رئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور رامي الحمد الله في غزة ، وقد تم الإفراج عن الصحفي سمارة بعد تدخل شخصي من الرئيس “أبو مازن” لدى مكتب النائب العام ، كما تم استدعاء الصحفية نائلة خليل للمثول أمام النائب العام على نفس القضية .

وفي ذات السياق قدمت شركة الوطنية موبايل شكوى أمام النائب العام بحق رئيس مجلس إدارة صحيفة الحدث الأسبوعية سامي سرحان، ورئيس التحرير رولا سرحان، والمدير العام للصحيفة طارق عمرو. وذلك على خلفية نشر الصحيفة لتقرير استقصائي حول خسائر شركة الوطنية وعدم شفافيتها في نشر بياناتها المالية للمساهمين[2].

وفي الأشهر الماضية لم يكن الأمر أفضل فقد اعتقلت المخابرات الفلسطينية معد برنامج المشهد الصهيوني في قناة “القدس” عماد محمود حماد (34 عاما) لمدة ثلاثة أيام، كما حولت محكمة صلح نابلس مراسل فضائية الأقصى طارق عبد الرازق أبو زيد (43 عاما) لمحكمة الجنايات الكبرى ارتباطا بقضية مرتبطة بإفادة حقوقية أخذها من أحد الذين اعتقلتهم السلطة قبل نحو عامين من هذا التاريخ واعتقل أثرها 37 يوماً، كما داهمت قوة من البحث الجنائي الفلسطيني منزل الصحفي يوسف نصار المذيع في إذاعة النقب في بلدة دورا القريبة من مدينة الخليل وفتشته بغرض اعتقاله لكنه لم يكن في منزله، كما أوقف جهاز المخابرات الفلسطينية محرر ومراسل شبكة قدس الإخبارية في الخليل مصعب عبد الحميد شاور تميمي (27 عاما). كما اعتقل جهاز الأمن الوقائي أسامة حسين شاهين (36 عاما) مراسل مركز أسرى فلسطين[3].

كما أقرت الحكومة الفلسطينية بتاريخ 17/4/2018 قانون الجرائم الالكترونية رقم 16 لسنة 2017 ، والذي أثار جدلاً حقوقياً وقانونياً ومجتمعياً في الأراضي الفلسطينية ، وذلك بسبب أن القانون لا ينسجم مع الدستور الفلسطيني وهو يخرق المادة رقم “19” في القانون الأساسي والتي لها علاقة بحرية الرأي والتعبير إلى جانب خرقه للمادة رقم ” 27 ” المتعلقة بالحريات الإعلامية ، كما يخرق الخصوصية  الشخصية ، مما دفع بالمقرر الخاص بحرية الرأي والتعبير في الأمم المتحدة بمطالبة الحكومة الفلسطينية بالرد على الاحتجاجات المتعلقة بإقرار قانون الجرائم الالكترونية إلى جانب أيضاً منظمة العفو الدولية” امنستي” والتي تحدثت صراحة على أن هناك خرق لكل الأعراف الدولية بخاصة تلك المتعلقة بالاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها دولة فلسطين عام 2014 .

يوصف القانون بوضعه الحالي بأنه فصل على مقاس السلطة التنفيذية للانقضاض على معارضيها . كما يمس القانون بوضعه الحالي بحرمة الحياة الخاصة وتوسع غير مبرر بالتجريم وحجب المواقع الالكترونية[4]. كما ترى بعض المؤسسات الحقوقية الفلسطينية أن القانون المذكور يتعارض عدد من مواده مع المعايير الدولية، كما أن هناك مجموعة من المصطلحات الفضفاضة والمبهمة، والتي من شأنها أن توسع من نطاق التجريم وتحد من حرية الرأي والتعبير والصحافة[5].

هذا ولقد قامت السلطة الوطنية الفلسطينية في الفترة الواقعة بين 15-21/6/2017 بإغلاق وحجب 29 موقعا الكترونياً مقربة من حركة حماس، والجهاد الإسلامي، والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني محمد دحلان. [6]

أخيراً لا بد من توفير مناخ أكبر من الشفافية وحرية تداول المعلومات للسماح للصحفيين بممارسة عملهم، فلا يمكن الاكتفاء بعضوية نقابة الصحفيين كمظلة للعمل الصحفي، بل لا بد من توفير الحماية القانونية للصحفيين. ومع مرور 27 عاماً على إعلان ويندهوك في ناميبيا عام 1991، والذي تم على أساسه اختيار يوم 3 أيار للاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، لا يزال أمام الصحافة الفلسطينية طريق طويل من أجل تحقيق مكتسبات هذا الإعلان وفي مقدمتها ضمان بيئة إعلامية حرة ومستقلة وتعددية كشرط لحرية الصحافة، وضمان أمن الصحفيين أثناء ممارستهم أعمالهم، وضمان التحقيق الشفاف في جرائم التعدي على حرية الصحافة.

المراجع

1.    الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948.
2.    العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966
3.    القانون الأساسي المعدل للعام 2003 .
4.    الدكتور عصام عابدين ، ورقة قانونية تحليلية حول: انتهاكات حرية الرأي والتعبير والحريات الإعلامية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، (رام الله : مؤسسة الحق ،2012).
  1. صحيفة الحدث ، نقابة الصحفيين والصحافة الفلسطينية وحرياتهم الإعلامية على المحك ، ملف العدد ، الأربعاء 18/4/2018 .
  2. للتفصيل أكثر انظر/ي تقارير المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية ، شهر 4 /2018 .
  3. مذكرة قانونية سلمت إلى الرئيس محمود عباس″ أبو مازن” من قبل نقابة الصحفيين الفلسطينيين ، والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ، بتاريخ 12/7/2017 .
  4. للتفصيل أكثر أنظر/ي المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان،مراجعة لقانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني لسنة 2017 في ضوء المعايير الدولية لحرية التعبير. 2017 .
  5. بيان للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، تطالب به وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الفلسطيني التدخل لرفع قرار حجب المواقع الالكترونية ،20/6/2017 .
[1] . الدكتور عصام عابدين ، ورقة قانونية تحليلية حول: انتهاكات حرية الرأي والتعبير والحريات الإعلامية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، (رام الله : مؤسسة الحق ،2012). ص6 .
[2] . صحيفة الحدث ، نقابة الصحفيين والصحافة الفلسطينية وحرياتهم الإعلامية على المحك ، ملف العدد ، الأربعاء 18/4/2018 ، ص2 .
[3] . للتفصيل أكثر انظر/ي تقارير المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية ، شهر 4 /2018 .
[4] .مذكرة قانونية سلمت إلى الرئيس محمود عباس″ أبو مازن” من قبل نقابة الصحفيين الفلسطينيين ، والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ، بتاريخ 12/7/2017 .
[5] .  للتفصيل أكثر أنظر/ي المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ، مراجعة لقانون الجرائم الإلكترونية الفلسطيني لسنة 2017 في ضوء المعايير الدولية لحرية التعبير. 2017 .
  1. 6. بيان للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ، تطالب به وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الفلسطيني التدخل لرفع قرار حجب المواقع الالكترونية ،20/6/2017 .