قلقيلية- عقد مركز حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" ورشة عمل في مدينة قلقيلية حول القتل على خلفية ما يعرف بشرف العائلة، حضرها عدد من الشباب والصبايا من مختلف المناطق في المحافظة، وقال محمود عاصي من المركز أن هذه الورشة تأتي ضمن سلسلة من الورش التي ينفذها المركز في مختلف محافظات الضفة، والتي تأتي في إطار مشروع الحوار والتواصل الممول من الممثلية الدنمركية، وأكد عاصي أن القتل على خلفية الشرف يعتبر جريمة، وهي من الظواهر التي تهدد تماسك المجتمع وتقف عائقا في طريق تقدم المرأة في المجتمع، وأن جرائم القتل بإسم الشرف هي إحدى قضايا حقوق الإنسان التي من واجب القانون أن يقف أمامها بحزم وصلابة، وفي ظل الازدواجية التي يعاني منها المجتمع الشرقي برمته تنتج هذه الجرائم، وهذه المحاولة في الأساس هي محاولة لدفع كل المهتمين والقائمين على مصالح المجتمع لحوار مفتوح حول هذه القضية التي تعاني منها النساء والمجتمع في الشرق بل ومختلف دول العالم.
ثم قدمت الناشطة النسوية والمتخصصة في مجال الدراسات النسوية ندوة البرغوثي ورقة عمل تحدثت فيها عن مفهوم الشرف الذي اعتبرته أحد القيم الاجتماعية المحورية التي تؤكد أبوية المجتمع العربي ودونية المرأة فيه، وهو كجميع القيم الاجتماعية يحدد كل مجتمع معناه بما يتفق مع مصلحته التي تتغير بتغير ميزان القوى فيه، فالقوى الغالبة في المجتمع هي التي تحدد هذا المعنى بما يتفق مع مصلحتها الخاصة، وهنا قالت البرغوثي نجد الازدواجية في مفهوم الشرف، حيث تغييب المعاني الحقيقية والسامية للشرف، كالعزة والعلو، وينحصر المفهوم على جسد المرأة وغشاء البكارة فقط، فمفهوم الشرف يرتبط فقط بالحفاظ على الأعضاء الجنسية الذي ارتبط فقط بالمرأة، بينما شرف الرجال لا يتعلق بسلوكهم وإنما يتعلق بسلوك المرأة، فالرجل الفاسق شريف إذا كانت زوجته لا تخونه مع رجل آخر، والرجل المنافق شريف طالما ابنته تحافظ على عذريتها قبل الزواج، فشرف الرجل يتعلق بسلوك زوجته في البيت ولا يتعلق بسلوك هذا الرجل أو قدرته على العمل والصدق.
وهذا المفهوم للشرف يهبط بمستوى الشرف إلى منطقة سفلية في جسم المرأة لا تزيد عن غشاء البكارة مقابل تغييب المعاني الأخرى السامية للشرف، ويتحدد معنى الشرف في المجتمع مع مصلحة هذا المجتمع، التي تتغير بتغير ميزان القوى فيه، فالقوى الغالبة هي التي تحدد معنى مصلحة المجتمع، وبما أن الرجل هو الأقوى فقد فرض على المرأة معنى شرف يناسبه ويحقق مصلحته، فأصبح معنى الشرف فيما يتعلق بالمرأة يكاد يكون مقصورا على العفة الجنسية ونتيجة لذلك برزت التناقضات التي تكتنف كيان المرأة من حيث الازدواجية في التعامل مع جسدها، فهي نجس والعلاقة الجسدية خارج مؤسسة الزواج من الكبائر التي تستحق عليها الرجم، وجسم المرأة وما يطرأ عليه من عوارض نجس، ومع ذلك فإن هذا الجسد نفسه يتمتع بأهمية لا مثيل لها.
وقالت البرغوثي إن العادات والتقاليد الموروثة تلعب دورا أساسيا في تعزيز وتكريس ظاهرة القتل على خلفية الشرف، فالتركيز على قيمتي الشرف والاحتشام تكتسب أهمية كبيرة في المجتمع العربي حيث يصبح لجسد المرأة وضعية في النظام القيمي التقليدي عن طريق تقسيم العمل وحصر دور المرأة في العمل المنزلي والإنجاب، وأهمية هاتين القيمتين تعدان من القيم الأساسية التي تعطي الشرعية للنظام الأبوي في المجتمع العربي الذي يقوم على هيمنة الرجل على المرأة وهيمنة الكبار على الصغار، مما يعني توزيعا هرميا للسلطة على محوري الجنس والسن، فالمرأة العربية هي دائما كائن بغيره لا بذاته، فهي تعرف من خلال كونها زوجة فلان أو أم فلان. ويساعد على ذلك آلة الزواج حيث تفقد المرأة شخصيتها وتعيش في حالة دنيا.
وأضافت إن تمسك النسبة الكبيرة من الذكور في مجتمعنا بضرورة التمييز رغم التطور الثقافي والمعرفي وبرامج التوعية من قبل المؤسسات الأهلية والحقوقية، إلا إنها ما زالت دون المستوى المطلوب وبالأخص عندما يتعلق الموضوع بشرف العائلة من قبل الفتاة، تجد أبناء العائلة رغم درجاتهم العلمية ووعيهم وإيمانهم بحقوق الإنسان والمرأة قد انصاعوا إلى ثقافة المجتمع المتخلفة بهدف حماية هذا الشرف وبنات العائلة بإصدار الحكم على الفتاة بالقتل دون معرفة الأسباب والملابسات التي وقعت أو صدق و كذب الإشاعة حتى لو كانت الفتاة وقعت في الخطأ نتيجة إغواء أو اغتصاب حتى ولو لم تبلغ سن الرشد فمصيرها معروف وحتمي وهو القتل، ليس مهماً السبب الحقيقي ومن هو مقترف الجريمة بحق الفتاة فالمحاسبة والذنب يقع على الفتاة والحكم هو القتل ليس إلا، أما الرجل فيبقى خارج نطاق المحاسبة القانونية، والقاتل هو شخص شريف حافظ على سمعة العائلة وشرفها، ويجب مكافئته ولا يحق للقانون أن يعاقبه فعدم وجود قوانين نافذة ورادعة نجد أن هنالك ازدياد في ظاهرة القتل حسب الإحصائيات التي تصدرها المؤسسات الحقوقية.
وقالت البرغوثي أن قانون العقوبات الفلسطيني الذي يعود إلى حقبة الانتداب البريطاني في 1930، ينص على أن عقوبة القاتل بشكل عام هي القتل، إلا أن المادة رقم 18 منه تقول: يستفيد من العذر المخفف الشخص الذي يرتكب جريمة في حال الدفاع عن ماله أو شرفه أو عرضه أو نفسه . فقانون العقوبات المطبق في فلسطين بهذا الخصوص هي المادة "340" مأخوذ من قانون العقوبات الأردني والتي يحصل بموجبها الجاني على "عذر مخفف" في الحكم ، فلا يلبث أن يقبض عليه حتى يفرج عنه والضحية تقتل دون معرفة الحقيقة.
فمعظم حالات القتل وقعت بحق فتيات تم اغتصابهن أو الإغواء بهن أو نتيجة إشاعة مغرضة لا صحة لها، أما الرجل فيبقى طليقاً حراً لا يخضع للمحاسبة حين يقترف جريمة الزنى أو الاعتداء أو الاغتصاب لأنه ذكر وليس أنثى ومجتمعاتنا العربية هي مجتمعات ذكورية تجد المبررات للرجل، أما المرأة فإن فقدانها لعذريتها يعتبر جرمَ لا يغتفر، وإذا قامت المرأة بإقتراف جريمة القتل بحق مغتصبها أو الزوج الخائن فتقع عليها عقوبات تصل إلى الإعدام، فالأعذار هي ظروف معينة ينص عليها القانون تؤدي في حال توافرها إلى إعفاء الشخص الذي يثبت قضائيا ارتكابه للفعل الجرمي من أي عقاب، أما الأعذار المخففة فهي ظروف معينة ينص عليها القانون وتؤدي في حال توافرها إلى إعفاء الشخص وتخفيف العقوبة وتعديل طبيعة الحكم، كأن يكون جناية فيصبح جنحة، ويتم تغييب القانون في هذا المجال الذي إذا طبق في هذه الحالات نرى مدى قصوره.
وقالت البرغوثي أن المرأة في الشرع الإسلامي والمسيحي واليهودي وكافة الشرائع الدنيوية الأخرى مصانة ولها كامل الحقوق والاحترام والتقدير، وهناك مساواة مقررة في معظم الدساتير في العالم العربي والإسلامي، وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أكد من خلال الأمم المتحدة أن لجميع الأسرة البشرية من كرامة أصيلة وحقوق متساوية وثابتة يشكل أساساً للحرية والعدل كما أكد العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأساسية على المساواة بين الرجال والنساء.
وفي نهاية الورشة طالب الحضور الجهات القانونية الرسمية والمؤسسات الأهلية أن تعنى بهذه الظاهرة الواسعة الانتشار والتي أصبحت بازدياد، والعمل على ردعها وإنزال أقصى العقوبة بحق مقترفيها، لمحاربتها والحد منها، كما وطالبوا المؤسسات الحقوقية والإنسانية إيجاد آليات ووسائل أكثر نجاعة في الوصول إلى الضحايا قبل وقوع عملية القتل بحقهن ومحاولة وجود التوعية الأسرية والمجتمعية لحماية الأبناء على اختلاف الجنس سواء أنثى أم ذكر وعدم التمييز بحقهم وضرورة وجود الثقافة الجنسية في المقررات المدرسية، وطالبوا بضرورة إعادة النظر في النصوص العقابية والقانونية المطبقة وتعديلها بما يضمن اعتبار قتل الإناث جريمة يعاقب عليها القانون بأشد العقوبات.
وأوصى الحضور بضرورة المساواة أمام القانون والحق في تطبيقه على الرجل والمرأة بأسلوب أكثر عدالة وعدم التمييز بينهما وضرورة محاسبة كل من يتجاوز القانون باعتبار جريمة القتل بدافع الشرف هي جريمة بحق إنسان أزهقت روحه بدون أي عذر شرعي أو قانوني وتكفي الحماية التي يقوم المجتمع والقانون بتأمينها لمرتكبي هذه الجرائم فواجب ديني واجتماعي وقانوني محاربة هكذا جرائم.

|