مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية شمس

Human Rights and Democracy Media Center SHAMS

الدكتور : عمر رحال ، أستاذ العلوم السياسية – جامعة بيرزيت

يخطئ من يعتقد أن بريطانيا الاستعمارية “جاءت” إلى فلسطين من أجل مساعدة الفلسطينيين وتمكينهم  لبناء مؤسساتهم ،على طريق إقامة دولتهم على ترابهم الوطني من خلال بناء المؤسسات السياسية والدستورية والأمنية والإدارية والاقتصادية لهم، والبقاء إلى جانبهم حتى اشتداد عودهم واعتمادهم على أنفسهم، أو أن الهدف من الانتداب البريطاني لفلسطين نابع من الرأفة أو الشفقة على الفلسطينيين، أو أنها مروءة ومسؤولية أخلاقية ودولية للدولة العظمى آنذاك.

من نافل القول أن الهدف الأساسي للاستعمار البريطاني لبلادنا هو تمكين الحركة الصهيونية من إقامة “وطن قومي” لهم ، وبلغة القانون التي لا تقبل التأويل واستناداً إلى النص الذي يقول ” لا اجتهاد في مورد النص” فقدت نصت المادة الرابعة من صك الانتداب البريطاني على فلسطين الصادر من قبل عصبة الأمم  بتاريخ 6 /7/ 1921 وصودق عليه في 24 /7/ 1922 ووضع موضع التنفيذ في 29 /9 من العام نفسه، حيث نصت المادة الرابعة( يعترف بوكالة يهودية ملائمة كهيئة عمومية لإسداء المشورة إلى إدارة فلسطين والتعاون معها في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من الأمور التي قد تؤثر في إنشاء الوطن القومي اليهودي ومصالح السكان اليهود في فلسطين ولتساعد وتشترك في ترقية البلاد، على أن يكون ذلك خاضعا دوما لمراقبة الإدارة. يعترف بالجمعية الصهيونية كوكالة ملائمة مادامت الدولة المنتدبة ترى أن تأليفها ودستورها يجعلانها صالحة ولائقة لهذا الغرض، ويترتب على الجمعية الصهيونية أن تتخذ ما يلزم من التدابير بعد استشارة حكومة صاحب الجلالة البريطانية للحصول على معونة جميع اليهود الذين يبغون المساعدة في إنشاء الوطن اليهودي).

وعد بلفور المشؤوم كان أحد نتائج  اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916 ، بين الدول الاستعمارية بريطانيا وفرنسا وعلم من روسيا القيصرية، هذا الوعد الذي صدر عن بريطانيا بتاريخ 2/11/1917، والموجه إلى دي روتشيلد أحد أثرياء اليهود، حجب عن الصحافة عدة سنوات، والأنكى أن بريطانيا في ذلك الوقت لم يكن لها أية صلة قانونية بفلسطين ، فقد احتلت بريطانيا فلسطين بتاريخ 9/12/1917 ، أي أن الوعد صدر قبل شهر وأسبوع من دخول الجنرال إدموند اللمبي فلسطين ، كما أن الانتداب حصل بعد صدور الوعد ، حيث أقر المجلس الأعلى للحلفاء في مؤتمر سان ريمو استناداً إلى المادة (22) من ميثاق عصبة الأمم الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا، والانتداب البريطاني على العراق وفلسطين وذلك في نيسان 1920 ، وبتاريخ 24/7/1922 أقر مجلس عصبة الأمم مشروع “صك الانتداب” على فلسطين ، والتي أعدت صياغة بنوده الحركة الصهيونية منذ العام 1919.

منحت بريطانيا أرضاً لا تملكها – وهي فلسطين- للصهاينة الذين هم غرباء عن هذه الأرض والذي أدى ذلك إلى اغتصاب وطن وتشريد شعب فلسطين، فكيف تصدر بريطانيا وعداً بمنح أرض لم تكن فيها أصلاً ، ولم تكن من مستعمراتها ؟ . كما أن “وعد بلفور” تعامل مع فلسطين وكأنها  فارغة من سكانها الأصليين ،علماً أن الفلسطينيين كانوا يشكلون ما نسبته 92% من السكان ، كما كان الفلسطينيون يملكون ما نسبته 97,5% من مساحة فلسطين، سكن العرب فلسطين قبل أن يسكنها اليهود بآلاف السنين وتدل الآثار العربية الكنعانية على ذلك ، ولم تنجح البعثات الأثرية ومعها علماء الآثار اليهود من اكتشاف أي اثر يدل على أن هناك حضارة  يهودية سادت في فلسطين رغم التفتيش والبحث الدقيق. وعد بلفور لم يذكر “العرب” لا المسلمين ولا المسيحيين ، وإنما ذكر عبارة عن غير اليهود في فلسطين علماً إن العرب كانوا الأغلبية في فلسطين . كما أن بريطانيا كانت قد أعطت الشريف حسين عام 1915 وعداً في المراسلات التي تمت بين الشريف حسين والسير هنري مكماهن ، وفي هذا الوعد اعترفت بريطانيا بأن تكون فلسطين جزءاً من الدولة العربية المستقلة بعد نهاية الحرب العالمية .

قواعد القانون الدولي تؤكد بأن إجراءات بريطانيا كانت خرقاً  لميثاق عصبة الأمم وأن التقسيم كان تجاوزاً لصلاحيات الأمم المتحدة وان “وعد بلفور” لا يمثل أية سند قانوني يعتمد عليه. فقد صدر عمن لا يملك وأعطى لمن لا يستحق، فلا بريطانيا كانت لها أية ولاية على فلسطين حين إصدار الوعد ولا كان للحركة الصهيونية في فلسطين أية حق قانوني أو أخلاقي .كما كانت فلسطين جزءاً من الدولة العثمانية وقتذاك ، ولم تكن اتفاقية لوزان لعام 1923 قد وقعت بين تركيا والحلفاء بعد. كما أن الوعد ليس اتفاقية أو معاهدة بين دول أو كيانات دولية ذات سيادة ، فاللورد بلفور مسؤول بريطاني ، ولكنه لا يملك حق التعاقد باسم دولته، واللورد ليونير وولتر دي روتشيلد مواطن بريطاني صهيوني، ولكنه لا يمثل الديانة اليهودية المنتشرة في العالم، والديانة اليهودية لم يكن لها شخصية قانونية دولية.  ولم يكن روتشيلد ذا صفة دوليه ، وإنما كان احد أغنياء اليهود . ولأن قانون الاحتلال الحربي لا يجيز لدولة الاحتلال التصرف بالأراضي المحتلة. وبالتالي فان وعد “بلفور” باطل لعدم شرعية موضوعه وتنعدم فيه الأهلية القانونية وأن هذا الوعد بمثابة تصريح لا يمت بأي صلة بمفهوم المعاهدة ، بمعنى آخر ليس له أي قيمة قانونية. كما أن بريطانيا لم تراع صك الانتداب على فلسطين بالذات نص المادة الخامسة، التي تمنع دولة الانتداب من التنازل عن أي جزء من أراضي فلسطين لأي جهة أجنبية .

بريطانيا صاحبة التاريخ الاستعماري الأسود ، كانت وما زالت تعمل ضد حركة التاريخ ، فما من مكان وطأته أقدامها إلا وتركت هناك جراح نازفة وندوب تبدوا واضحة لا تمحوها الأيام والسنين، فقد زرعت كيانات غريبة ، وقسمت الأمم والشعوب ، ورسمت الحدود على مقاسها ، وسلخت الأقاليم عن جذورها ، وأرست سياسة لا تقل بشاعةً عن فلسفة ماكيافيلّي قائمة على مبدأ ” فرق تسدّ”، إمبراطورية سادت في مختلف قارات العام ، نكلت بشعوبها واستعبدتها وتفننت بتعذيبها والاقتصاص منها ، قُدر لها أن تكون دولة عظمى بفعل سياستها الدموية وعنصريتها المتأصلة واستعلائها على الأمم والشعوب ، وما وثيقة العهد الأعظم (الماجناكارتا) عام 1215 ، ووثيقة ملتمس الحقوق عام 1628 ، وإصدار قانون الحقوق عام 1689 ، وقانون الإصلاح عام 1832، إلا وثائق جوفاء لا تساوي الحبر التي كتبت فيه ، فقد استخدمتها لإخضاع الشعوب تحت مسميات مختلفة ، فحقوق الإنسان التي نادت بها بريطانيا لا تتوافق والاستعمار ، والسيطرة على مقدرات الشعوب ونهب ثرواتها ، ومنعهم من حق تقرير مصيرهم. وقتلهم وتشريدهم والتنكر لحقوقهم التاريخية .

الرقص على جراح الشعوب والتلذذ بعذاباتها ليس بالشيء المفاجئ أو الجديد على الساسة والسياسة الانجليزية ، محافظين وعماليين ، ايرلندا ، اسكتلندا ، جنوب إفريقيا ، جزر الفوكلاند ، فلسطين ، هي أمثلة ساطعة على سياسة بريطانيا الاستعمارية وعلى تلذذها بعذابات شعوب تلك الدول ، بريطانيا الاستعمارية ، وبعد مئة عام وعام من الإجحاف بحق الشعب الفلسطيني بفعل وعدهم المشؤوم ، تحتفل “بوقاحة” العام الماضي وترقص فرحاً على آهات وعذابات الفلسطينيين المشردين في أصقاع الأرض ، احتفاءً واحتفالاً مع قاتل الأطفال رئيس حكومة دولة الاحتلال بنيامين نتانياهو بمناسبة مرور مئة عام على “وعد بلفور” ، إن دلالات “الاحتفال” بهذا الوعد المشؤوم ما هو إلا تأكيد من جديد على أن مشروع الحركة الصهيونية المتمثل ” بإسرائيل” لا يعدوا من أنها دولة وظيفية لقوى الاستعمار والإلحاق والضم والتوسع ، وأنها حامية للمصالح ، وأن زرعها في قلب الوطن العربي ، ما هو إلا جزء من إستراتيجية استعمارية قوامها أن لا مشروع عربي نهضوي ، وأن لا وحدة عربية وأن لا تواصل جغرافي بين سورية ومصر.

 إن احتفال بريطانيا بالوعد المشؤوم العام الماضي بمناسبة مرور مئة عام على الوعد المشؤوم ما هو إلا تأكيد من جديد على دعمها لدولة الاحتلال ، ووقوفها إلى جانبها ، وعدم احترامها لكرامة ومشاعر العرب والمسلمين ، وعلى “صواب” موقفها ، وعدم تنصلها من الوعد المشؤوم ، هذا “الاحتفال” هو تعبير عن عدم ندمها  والاعتراف بخطئها ، بل بخطيئتها ، وما يعني ذلك من تحملها لمسؤوليتها التاريخية والسياسية والقانونية والحقوقية والأخلاقية والمعنوية اتجاه الشعب الفلسطيني وتعويضه عما لحق به من ويلات ونكبات وحروب وتشريد .

ومن أجل ألا تكون المناسبة المشؤومة ، مناسبة لعقد المزيد من الندوات والمحاضرات وورش العمل والمؤتمرات واللقاءات في وسائل الإعلام والاعتصامات ، وإصدار بيانات الشجب والاستنكار، ومطالبة دولة الاستعمار بريطانيا بالتكفير عن خطيئتها بالاعتذار للشعب الفلسطيني وتحمل مسؤوليتها التاريخية والسياسية والقانونية والحقوقية والأخلاقية ، فعلى أهمية ذلك وضرورته وعدم التنازل عنه على مر الأجيال،  فالأهم الآن من وجهة نظري المتواضعة ، التوجه للأمم المتحدة من أجل أن تتحمل مسؤوليتها القانونية والسياسية ، أليس الأمم المتحدة هي من أصدر شهادة ميلاد دولة الاحتلال استناداً للقرار رقم (181) الصادر بتاريخ 29/11/1947 ، والخطوة الثانية أن نتوجه كدولة فلسطين وعبر جامعة الدول العربية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي ، وأن نطلب رأياً إفتائياً حول مدى قانونية وعد بلفور متسلحين بكل القرارات والمواثيق والدلائل والقرائن التي تؤكد على عدم شرعية هذا الوعد وقانونيته . وإذا كان هناك ” سبعٌ ” فلسطيني علينا أن نقاضي بريطانيا الاستعمارية أمام القضاء الدولي عما قامت به ضد الشعب الفلسطيني من جرائم وأذى يندى لها الجبين الإنساني .

لم يكن الفلسطينيين يعلموا أن هذا الوعد المشؤوم سيغير وجه تاريخهم ، بل تاريخ المنطقة بأسرها ، وسينكوي بناره أحفاد أحفادهم، وسيبقى ملازمهم كجرح نازف ، لا يندمل مع مرور الزمن ، إلا بعودتهم إلى أرضهم وإقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني، الرد على “احتفالهم” أن نبقى متذكرين ، بل ثابتين ومصرين على موقفنا وألا نتغير مع تغير الزمان مستندين إلى الحق التاريخي ، ومرددين على الدوام المقولة الخالدة  ” نحن على هذه الأرض قبل الزمن بزمن” ، فالموقف البريطاني لم يتغير إزاء وعد “بلفور” بل أنهم أصروا على الاحتفال بذكراه المشؤومة ، فبريطانيا التي مكنت الحركة الصهيونية من تحقيق مشروعها بإقامة “إسرائيل” ، وامتنعت عن التصويت إلى جانب قرار التقسيم في 29/11/1947 ، هي نفسها بريطانيا التي امتنعت عن التصويت لصالح فلسطين لنيل العضوية  في الأمم المتحدة بصفة مراقب في العام 2012 . وهي نفسها بريطانيا التي امتنعت عن التصويت في الأمم المتحدة بتاريخ 21/12/2017 ضد قرار الولايات المتحدة الأميركية الاعتراف بالقدس عاصمة “لإسرائيل” .