مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية شمس

Human Rights and Democracy Media Center SHAMS

طلال أبو ركبة

بعيداً عن وصف الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل السلطة الفلسطينية تجاه قطاع غزة من حيث الهدف أو التوصيف التي يطلقها طرفي الانقسام في الساحة الفلسطينية، إلا أنه يمكن أن نقرأ هذه الإجراءات ضمن التحولات الكبرى في الاستراتيجيات على المستوى الفلسطيني والتي باتت معها المصطلحات المعروفة عاجزة وباهتة عن الوصف أمام فظاعة المشهد الفلسطيني، فما يحدث يمكن قراءته ضمن مراحل التحول التي ضربت بعمق الفكر السياسي الفلسطيني في مواجهة السياسات الإسرائيلية التي تستهدف بوضوح تهديد الوجود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية بخطوات متتالية ومتسلسلة فكانت النقلة الأولى في هذا الاطار تتجسد في نقل المشروع الوطني من مرحلة التحرير والعودة إلي مرحلة التسوية كخطوة أولى، ومن ثم الانتقال من التسوية لمرحلة التصفية ، حيث يسعي الاحتلال الإسرائيلي مستغلاً المتغيرات الكبرى في الإقليم العربي والدولي، للانتقال إلى مرحلة الاجهاز والتبديد وإلغاء الهوية الفلسطينية، ونسف القدرة لدى الفلسطيني على التحدي، من خلال سلب الأرض، وتدمير البنى الاجتماعية، ودفع الفلسطيني باتجاه بيئات مختلفة ومنفصلة.

فبعد قرن من الصراع بتنا اليوم أمام جدلية الشرذمة والتفكك في مواجهة نظام عنصري (استعمار إحلالي استيطاني) ، فالواقع المأزوم في المشهد الفلسطيني، تحولت معه الوحدة الفلسطينية في الداخل إلي شرذمة وانقسام، ومعه بات الشرط التاريخي لجوهر وديمومة الصراع كما يراه أدوار سعيد (الوجود الفلسطيني على الأرض) مهدداً، بفعل الأداء السياسي للفلسطينيين أنفسهم من ناحية ، وبفعل الإجراءات والممارسات الإسرائيلية من ناحية أخرى، فيما الشتات الفلسطيني أضحى  عرضة للنفي الدائم وهو مرشح للانحصار في جاتوهات جديدة تنفي الطابع السياسي للفلسطينيين.

 إن هذا الواقع المأزوم الذي يشهده الحقل السياسي الفلسطيني تكمن مرجعتيه في ثلاثة توصيفات هي المحنة والورطة والمأساة.

فالمحنة هنا تختص بها حركة فتح وفشلها في إدارة المشروع الوطني منفردة ودخولها في عملية التسوية بدون مرجعية قانونية أو دولية لهذه العملية وموافقتها على المفاوضات الثنائية برعاية الولايات المتحدة الأمريكية المنحازة للاحتلال الإسرائيلي، والتي استطاعت إسرائيل من خلالها استنزاف القدرة الفلسطينية على الفعل مما أدى لدخول المشروع الوطني برمته إلى متاهة الاجتهادات الشخصية وعبثية الأداء السياسي الفلسطيني. إضافة لذلك فإن الخلافات الداخلية في الحركة والتنازع داخلها انعكس على القضية الفلسطينية والموقف منها، وخصوصا الموقف العربي المنقسم تجاه الصراع الداخلي في حركة فتح ما بين الرئيس الفلسطيني والنائب محمد دحلان.

في حين كانت ورطة حماس في فوزها المفاجئ بالانتخابات التشريعية الثانية 2006، وتشكليها لاحقا للحكومة العاشرة منفردة للسلطة الفلسطينية والتي أنشئت بناء على اتفاقية أوسلو واشتراطاتها الإسرائيلية، وما نتج عن ذلك من أزمات نتيجة برنامج الحكومة أئنذاك ، وفرض الحصار على الحكومة للاستجابة للمطالب الدولية وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل، وانقسام الشارع والمؤسسة الفلسطينية على حد سواء بين مؤيد ومعارض، حتى أفضى الأمر بقيام حركة حماس في منتصف حزيران 2006، بانقلابها أو حسمها حسب التوصيفات المتعددة للإجراء الذي قامت به، ليدخل الوطن بشقيه والمشروع الوطني معها في ورطة كبرى لاتزال تداعياتها وفصولها مستمرة حتى اللحظة، ومن الملاحظ أن حماس كلما حاولت التخلص من تلك الورطة، تغوص أكثر في ورطات أعمق لعل أبرزها الارتهان لحضانة دول إقليمية ومحورية، ثبت بالممارسة أن حضانتها مضرة بالواقع الفلسطيني.

وإزاء ذلك لا بد من إعادة طرح سؤال الزميل علاء الترتير حول ما إذا كانت فتح حاملة للمشروع الوطني ام مدمرة له، وما إذا كانت حماس حاضنة المقاومة أم مستفيدة منها؟!

فيما تتجلى مشاهد المأساة الفلسطينية في عجز وتكلس اليسار الفلسطيني سواء على مستوى لملمة شتاته أو توحيد صفوفه أو تشكيل تيار ثالث قادر على الخروج بالحالة الفلسطينية من حالة الاستقطاب السياسي بين حركتي فتح وحماس، لدرجة أصبح معها المواطن يصف الحركات السياسية اليسارية بالمتواطئة مع حالة الانقسام، والمستفيدة من استمراره للمحافظة على مواقع قيادته الحالية.

في ضوء هذا الواقع أصبحنا بدون شك أمام ما يمكن أن نطلق عليه أم النكبات في التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث أضحى الفلسطيني يظهر وكأنه عدو نفسه.

إن جوهر الخروج من هذا النفق المظلم للمشروع الوطني ومستقبل الحقل السياسي الفلسطيني يكمن بالأساس بالاعتراف بالخسارة ولكن مع طرح التساؤل المركزي والهام، كيف نتعامل مع هذه الخسارة بعيداً عن لطم الخدود والبكاء على اللبن المسكوب وضياع الفرص؟

هنا لابد من العودة إلي استراتيجية البدايات أو من أسفل، بمعنى أن المطلوب الأن هو الامتناع عن كافة أشكال التقييد السياسي في الحالة الفلسطينية ، والامتناع عن كل ما يعزز السلوك الإسرائيلي ، وإعادة الاعتبار لروح التحدي والتضحية واستعادة القيم الوطنية التائهة، وارباك العدو بكشف طابعه العنصري، والخروج من حالة التشوه الاستعماري، لأننا بتنا أمام احتمالين إما إعادة الترميم والانبعاث من جديد من خلال مراجعة نقدية لمسار العمل السياسي الفلسطيني ، وتعزيز الصمود الفلسطيني على الأرض ، ضمن رؤية ومشروع وطني فلسطيني جامع للكل الفلسطيني، يتم من خلاله استعادة دور الشتات الفلسطيني مرة أخرى ، واستنهاض دور الجماهير في الأرض المحتلة، من خلال تعزيز صمودهم لنحدث تحول حقيقي في انتقال الوجود الفلسطيني من وجود بالقوة إلي وجود بالفعل، مع توفير مساندة حقيقة للشباب الفلسطيني للخروج من أسر العزلة والاستقطاب التي يعانوا منها، وتصعيد الكفاح ضد النظام العنصري.

وإما مزيد من التراجع وصولاً إلى الذوبان والتلاشي إذا ما تمكن الإسرائيلي من الاجهاز والتبديد، خصوصاً في ضوء إعادة رسم خارطة المنطقة على أسس مناطقية ومذهبية وطائفية، حينها قد يصبح تعبير فلسطيني أثراً من الماضي. فنحن الان أمام مفترق طرق وعلينا الاختيار.