مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية شمس

Human Rights and Democracy Media Center SHAMS

عمر رحال

ما من شك بأن توقيت اعتراف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل يوم الأربعاء 6/12/2017 له أسبابه ودلالاته  ومغزاه وأهدافه ، وبالتالي هذا الاعتراف لم يكن اعتباطياً ، مع أنه لم يكن مفاجأ ليس بسبب التوقعات أو التسريبات الإعلامية التي سبقت الإعلان ، بل بسبب الانحياز الأمريكي للمواقف الإسرائيلية ، وأيضاً بسبب العلاقة الإستراتيجية التي تربط الطرفين ، هذا إلى جانب أهمية وضرورة إسرائيل لدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية من حيث المصالح والجيوستراتيجية، كما تزامن الاعتراف مع تصريحات عدد من وزراء في الحكومة الإسرائيلية ، وأيضاً مع بعض أعضاء البرلمان الإسرائيلي، وبلدية الاحتلال في القدس ، حول النية (للتنازل) عن بعض الأحياء والقرى العربية التابعة للقدس وضمها للسلطة الفلسطينية باعتبارها ذات أكثرية عربية. أما من حيث التوقيت فالصراعات الدائرة في الإقليم  والحروب الطاحنة ، وانشغال الدول العربية بأوضاعها الداخلية المتردية ، ومكافحتها لقوى التطرف والإرهاب ، كما أن ذلك مرتبط في البرنامج الانتخابي لترامب وتعهده بالاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل وبنقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس . ببساطة القرار الأمريكي يؤكد من جديد أن الولايات المتحدة لا تقف على مسافة واحدة من طرفي الصراع ، وأنها ليست وسيطاً محايداً في عملية التسوية الجارية .

صحيح أن هذا الاعتراف بلغة السياسة والقانون لن يخلق حقاً ولن ينشأ التزاماً ، فهذه المقامرة والمغامرة لن تغير من حقائق التاريخ والجغرافيا والتي تؤكد أن القدس أرض محتلة وأن قرار الإدارة الأمريكية مناف لقرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو وأيضاً للاتفاقيات الثنائية الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل[1]. وبالتالي يجب أن تستند دولة فلسطين ومعها الدول العربية والإسلامية ودول العالم الأخرى في رفضها لقرار الرئيس الأمريكي ترامب ، ليس بسبب أن الولايات المتحدة الأمريكية هي راعية لعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وإنما لأن الولايات المتحدة تنتهك بذلك قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة وأيضاً قرارات مجلس الأمن الدولي ، وأيضاً منظمة اليونسكو ، فعلى سبيل المثال لا الحصر فقد أصدر مجلس الأمن الدولي منذ عام 1967 أصدر العديد من القرارات بشأن القدس على وجه الخصوص [2] .

 فقد أصدر القرار 252 الذي صدر في2/5/ 1968، يستنكر القيام بعرض عسكري إسرائيلي في القدس. والقرار 253 الذي صدر في 21 /5/ 1968، وفيه يدعو مجلس الأمن إسرائيل إلى إلغاء جميع إجراءاتها التعسفية لتغيير وضع المدينة. وفي عام 1980 أصدر مجلس الأمن الدولي قرار رقم 465 يطالب إسرائيل بتفكيك المستوطنات القائمة، والتوقف عن تخطيط وبناء المستوطنات في الأراضي المحتلة، بما فيها القدس. وفي 30/6/1980 أصدر قراراً أخر تحت رقم 476  ويعلن بطلان الإجراءات الإسرائيلية لتغيير طابع القدس ، كما أصدر القرار رقم 478 في 29/8/1980 ويتضمن عدم الاعتراف بالقانون الإسرائيلي بشأن القدس، ودعوة الدول إلى سحب بعثاتها الدبلوماسية من المدينة. وفي  12/10/1990 أصدر القرار 672 يستنكر المجزرة التي وقعت داخل ساحات المسجد الأقصى ،ويؤكد موقف مجلس الأمن بأن القدس منطقة محتلة. وفي 30/9/1996 أصدر مجلس الأمن القرار 1073 ويدعو للتوقف والتراجع فورا عن فتح مدخل لنفق بجوار المسجد الأقصى، الذي أسفر افتتاحه عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى بين المدنيين الفلسطينيين. وفي 7/10/200 ، أصدر القرار 1322 يشجب التصرف الاستفزازي المتمثل بدخول أرئيل شارون الحرم الشريف وأعمال العنف التي أسفرت عن مصرع ثمانين فلسطينياً، وفي 2/3/2002 أصدر مجلس الأمن القرار 1397 ، دعا الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي لاستئناف المفاوضات بشأن التوصل لتسوية سياسية. وفي 23/12/2016 أصدر مجلس الأمن القرار 2334 أكد أن إنشاء إسرائيل المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 – بما فيها القدس الشرقية- ليس له أي شرعية قانونية، ومطالبة إسرائيل بوقف فوري لجميع الأنشطة الاستيطانية وعدم الاعتراف بأي تغيرات في حدود الرابع من حزيران 1967.

كما أصدرت اليونسكو القرار 150 والذي  صدر في 27 /11/ 1996، ويذكر أن القدس القديمة  مدرجة على قائمة التراث العالمي المهددة بالخطر، ويشجب قيام السلطات الإسرائيلية بفتح النفق بمحاذاة الحائط الغربي للحرم الشريف. كما أصدرت القرار  196 بتاريخ  22/5/2015 ، ويعرب عن الأسف الشديد لرفض إسرائيل تنفيذ قرارات اليونسكو السابقة المتعلقة بالقدس، ولما ألحقته قوات الأمن الإسرائيلية في 30/10/ 2014 من أضرار بأبواب ونوافذ الجامع القِبلي، بالإضافة إلى إغلاق مبنى باب الرحمة، الذي يُعدّ أحد أبواب المسجد الأقصى  ، ويستنكر قرار إسرائيل الموافقة على إنشاء (تلفريك) في القدس الشرقية.  كما أصدرت اليونسكو بتاريخ 13/10/2016  تبنت  قرارا نفى وجود أي ارتباط ديني لليهود بالمسجد الأقصى وحائط البراق  واعتبرهما تراثا إسلامياً خالصا، وكان أخر قرار اتخذه المجلس التنفيذي لليونسكو في العام 2017 يؤكد قرارات المنظمة السابقة باعتبار إسرائيل محتلة للقدس، ويرفض سيادة إسرائيل عليها [3] .

من ناحية أخرى فقد خلصت اللجنة التي شكلتها عصبة الأمم في حزيران من العام 1930 ، وذلك بعد الأحداث الدموية بين العرب واليهود والتي تعرف بثورة البراق في العام 1929، أن حائط البراق والرصيف الكائن أمام الحائط وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة المقابلة للحائط هو ملك للمسلمين دون غيرهم ، وأنه جزء لا يتجزأ من الحرم الشريف (المسجد الأقصى) هو من أملاك الوقف الإسلامي، وكانت اللجنة الأممية قد تشكلت من هولندي ، وسويسري ، وسويدي ، وزارت فلسطين والتقت أشخاصاً من جنسيات مختلفة( فلسطينيين،سوريين،عراقيين، لبنانيين، إيرانيين،هنود، وأتراك)، وسلمت تقريرها إلى عصبة الأمم في كانون الأول 1930 [4] .

هذا إلى جانب مئات القرارات التي اتخذتها الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ العام 1947 ولغاية اللحظة والتي تؤكد على حق الفلسطينيين بإقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني ، وعلى رفض استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة ، ولكن إسرائيل الدولة القائمة بالاحتلال ترفض لغاية اللحظة الامتثال لقرارات الشرعية الدولية ، وترفض الانسحاب إلى خطوط الرابع من حزيران العام 1967 .

بالطبع سيكون هناك آثار سياسية وارتدادات لقرار الرئيس الأمريكي ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية للقدس سيكون لذلك تداعيات خطيرة ليس على الفلسطينيين فحسب ، بل سيكون هناك تداعيات خطيرة على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها. السلطة الفلسطينية ومعها الشعب الفلسطيني والفصائل الفلسطينية المختلفة ، لن تقبل بهذا القرار ولن تسلم له ، وسيكون ذلك بمثابة إعلان وفاة لعملية التسوية برمتها ، ولن تستطيع السلطة أن تتفاوض مع إسرائيل إذا كانت القدس ليست مطروحة على طاولة المفاوضات ، هذا سيضعها بمأزق أمام الشعب الفلسطيني، كما أن تداعيات الاعتراف ستزيد من أعمال المقاومة الشعبية ضد الاحتلال ، وستعيدنا من جديد إلى مربع العنف والفوضى والتي تسعى إسرائيل إلى جر الفلسطينيين إليه ، أما إسرائيل فإن ذلك سيفتح شهيتها لمزيد من الاستيطان داخل القدس وخارجها ، وإلى الدفع بمزيد من المستوطنين إلى القدس ، وإلى فرض مزيد من القيود على المواطنين الفلسطينيين داخل القدس كمقدمة لتهجيرهم ، وأيضاً على ضم مزيد من الكتل الاستيطانية الكبيرة المحيطة بالقدس، وتوسيع الهيكل التنظيمي للقدس ليشمل مساحات كبيرة من الضفة الغربية، هذا إلى جانب الضم والمصادرة والقتل والاعتقالات ومنع حرية الحركة والحصار، والتنصل من التزاماتها بموجب الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية .

ومن الآثار السلبية لقرار الرئيس ترامب أن ذلك سيؤدي إلى إنهاء فكرة حل الدولتين التي تبنتها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن ، وأكدت عليها الرباعية الدولية ، ومن ثم مجلس الأمن الدولي ، وستطرح من جديد فكرة حل الدولة الواحدة والتي يعيش بها اليهود والعرب على قدم المساواة ، مما يلغي فكرة يهودية الدولة التي يطالب بها اليمين الإسرائيلي ، على الرغم من تأكيد  ترامب انه في حال اتفق الطرفان على حل الدولتين فان الولايات المتحدة ستدعم “حلا بدولتين”[5]. أما على صعيد الولايات المتحدة الأمريكية فإن مصالحها ستبقى معرضة للخطر ، وأنه لن يكون بمقدور الفلسطينيين والعرب أن يثقوا مستقبلاً بالسياسة الأمريكية اتجاه القضايا العربية ولا سيما القضية الفلسطينية، بل أن الاتحاد الأوروبي ومنذ اللحظة الأولى لقرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، وقراره نقل سفارة بلده لها عبر عن معارضته لتلك الخطوة ، وشدد على موقفه التقليدي الذي يعتبر القدس جزء من الأراضي المحتلة العام 1967[6] .

بشكل مباشر المطلوب عربياً وإسلامياً ، هو أن يكون هناك موقفاً عربياً إسلامياً حاسماً ، وأن يكون الرد بنفس الطريقة ، وبلغة المصالح بين العرب والولايات المتحدة الأمريكية ، أيضاً دعوة جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لتطبيق القرارات التي اتخذتها وتنفيذها على ارض الواقع ، واتخاذ قرارات تاريخية تساوي الموقف الجلل الذي أتخذه ترامب . وتحرك دبلوماسي فلسطيني عربي إسلامي في مختلف الوجهات[7]، وليس أقلها التوجه إلى المؤسسات الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية من أجل تقديم ملف الاستيطان ، باعتباره جريمة حرب مستمرة ، وأيضاً التوجه إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي للحصول على حكم استشاري حول الأسرى بالحد الأدنى، أما دولياً فالمطلوب هو دعوة مجلس الأمن مرة أخرى لفرض عقوبات فورية على إسرائيل، وفي حالة عرقلة مجلس الأمن هذا التوجه بسبب الفيتو المتوقع من الولايات المتحدة التوجه للجمعية العامة . وأيضاً دعوة المنظمات الإقليمية بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي ومجلس التعاون الخليجي لاستخدام جميع الآليات المتاحة لضمان فرض العقوبات على إسرائيل. بما يتطلب تفعيل قرار الجمعية العامة رقم 337 (أ)(د-5) ، ولتؤكد مجدداً عدم شرعية ضم إسرائيل للقدس المحتلة وإعادة إقرار وضعها وفق القانون الدولي. ودعوة للأطراف السامية المتعاقدة في اتفاقيات جنيف إلى تحمل مسؤولياتها تجاه الشعب الفلسطيني .

الهوامش

1.    محللون: نقل السفارة الأميركية للقدس المحتلة منافٍ للقوانين الدولية، موقع مدينة القدس، كانون الأول 2016. http://www.alquds-online.org/index.php?s=1&id=21207

2.    للتفصيل أكثر انظر/ي الدكتور،إبراهيم شعبان، القدس في قرارات الأمم المتحدة منذ العام 1945 إلى 2010 . (القدس : جمعية الدراسات العربية ،2011 ) .

3.    موقع قناة العربية–نت https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/2017/12/07/

4.    الدكتور،عثمان عثمان وآخرون ، دراسات فلسطينية،( نابلس: جامعة النجاح الوطنية 2011).

  1. موقع جريدة الوطن الإماراتية ، ترامب يعترف بالقدس عاصمة لـ” إسرائيل” متجاهلاً التحذيرات العالمية ، http://alwatannewspaper.ae/?p=269589
  2. الاتحاد الأوروبي يرفض نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، أمد للإعلام، 16/1/2017. http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=155099
  3. الدكتور علي الجرباوي،القضية الفلسطينية في مهب ترامب،جريدة الأيام الفلسطينية 7/12/2017 ، ص

[1] . محللون: نقل السفارة الأميركية للقدس المحتلة منافٍ للقوانين الدولية، موقع مدينة القدس، كانون الأول 2016. http://www.alquds-online.org/index.php?s=1&id=21207

[2] . للتفصيل أكثر انظر/ي الدكتور ، إبراهيم شعبان، القدس في قرارات الأمم المتحدة منذ العام 1945 إلى 2010 . (القدس : جمعية الدراسات العربية ،2011 ).

[3]. موقع قناة العربية – نت https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/2017/12/07/

[4]. الدكتور، عثمان عثمان وآخرون ،دراسات فلسطينية،( نابلس: جامعة النجاح الوطنية ،2011 ). ص 81-82 .

[5] . موقع جريدة الوطن الإماراتية ، ترامب يعترف بالقدس عاصمة لـ” إسرائيل” متجاهلاً التحذيرات العالمية ، http://alwatannewspaper.ae/?p=269589

[6] . الاتحاد الأوروبي يرفض نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، أمد للإعلام، 16/1/2017. http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=155099

[7] . الدكتور علي الجرباوي، القضية الفلسطينية في مهب ترامب، جريدة الأيام الفلسطينية 7/12/2017 ، ص 5 .